مقالات

مفيد فوزي … يكتب آمال بنت العمدة

غيابها عن سماء حياتى علمنى أدب الافتقاد.. نعم، أفتقد آمال العمدة- رفقة السنين- وأبحث عنها بين الوجوه، لكن الموت غيّبها. سرق منى الفرحة، اغتصب سعادتى بالقرب منها، وعشت وحيدًا بعدها، نصحنى الأستاذ هيكل- وكان قريبًا من الأسرة- أن أتزوج وضرب لى مثلًا بالدكتور عزيز صدقى، لكن آمال العمدة واحدة، ولا تتكرر، عاشت نجاحاتى وانتصاراتى، وعاشت إخفاقاتى وهزائمى. ولم أصادف فى عمرى امرأة صعيدية عنيدة مثلما كانت آمال بنت عمدة الأقصر، وكانت صديقتنا كوثر هيكل تطلق عليها آمال «العندة»!.

■ ■ ■

 

 

كانت الكلمة الحلوة تذيب عنادها، وكان تراجعها عن رأيها يظهر فى موكب كبرياء، لم يكن المنطق سبيلًا إلى عقلها ولكنى كنت أخاطب قلبها الطيب بكف صديق على ظهرها. عشنا مناقشات حول تربية حنان ابنتنا الوحيدة. كانت تؤمن بأن تربية البنات من الأمور التى لا يدركها الآباء. كانت حازمة مع حنان ولا أقول قاسية. حنان ورثت عن آمال عفة العقل وصحيان الضمير، والذهاب إلى الكنيسة، ولم ترث عنها العناد! ربينا حنان على الاستقلالية والاعتماد على الذات، وغير صحيح أن البنت الوحيدة دلوعة أبويها. لم تعرف حنان دلع البنات مطلقًا، إن عطرها هو الجدية.

 

 

■ ■ ■

 

 

غابت آمال بنت العمدة، حتى إننى افتقدت عنادها فى الأمور الحياتية وهى الخلافات الزوجية الطارئة، كنت أراها «ملح الحياة» الذى يعطى العِشرة ذلك المذاق الحلو، وكنت أدرك أن الخلافات هى «وجهات نظر مختلفة»، ولعل «العتاب» كان محطة مهمة فى حياتنا قبل الصدام.. كنا إذا اختلفنا احتوانا ذلك الصمت الأخرس. وكانت آمال تكسر هذا الصمت. لم نعرف لغة الصياح أو الإساءة، وذات مرة اختلفنا معًا وبكت بالدموع وركبت قطار الصعيد من محطة مصر، فما كان منى إلا أن ركبت طائرة الفجر وذهبت أنتظرها على محطة سكة حديد الأقصر. وذُهلت عندما رأتنى ولم تصدق ما تراه، لكنها كانت تستحق هذا الاهتمام والاحتواء.

 

 

■ ■ ■

 

 

فى حياتها العملية، أملك أن أقول إنها كانت من ألمع مذيعات الإذاعة، أحبها الميكروفون وأحبته. كانت تغضب إن لم أسمع برامجها، كانت تقول «إنت بخبرتك.. مرايتى» آمال العمدة كانت تدمن المهارة «Perfection».. كان البرنامج الرمضانى خمس دقائق، ولكن آمال تسجل لضيوفها ساعة ونصف الساعة لاختيار دقائق خمس! كان مهندس المونتاج يشعر بالإرهاق فى برامج آمال العمدة لأن عملية «انتخاب الدقائق المعدودة» كانت جهدًا خرافيًّا؛ ولذلك كانت برامج آمال العمدة الإذاعية هى فاكهة رمضان بحق، وهى تعتبر فى نهاية الأمر كنوزًا، كانت فخورة بعملها مذيعة، وكانت الإذاعة فى أفضل تجلياتها وسط سرب رائع يتقدمه عمر بطيشة ونادية صالح وآمال العمدة ونجوى أبوالنجا وإيناس جوهر وآيات.. كانت ترى أن الإذاعة «وسيلة تثقيف مزروعة فى قالب ترفيهى»، ويوم قدمت حلقات عن «عقد» النجوم النفسية، سارعت إحدى دور النشر وجمعت الحلقات تحت عنوان «عقدتى»، ورغم أن مدة البث تقل عن خمس دقائق، لكنها استطردت مع ضيوفها ما يقرب من ساعة ونصف الساعة، إنها آمال العمدة المهنية.

 

 

■ ■ ■

 

 

أنا لم أفهم مطلقًا رغبتها أن تقاسمنى «شجاعة الكفاح»، وقد كنت يوم تزوجنا «نكرة» ولا يعرفنى أحد، كنت فى مطلع عمرى المهنى فى روزاليوسف، وكان راتبى ١٨ جنيهًا و٥٧ قرشًا، لم أفهم لماذا أشارت علىَّ وأمامها شاب قادر ماديًّا ومعنويًّا؟ هل هو الحب يرجح كفة الاختيار ولِمَ لا؟ كانت تسمعنى وأنا أعبر عن نفسى وتتسكع معى فى شوارع طفولتى التى لم تكن سعيدة، كان إصغاؤها لأحلامى مثيرًا، كانت أسرتها قد هاجرت إلى كندا وفضلت هى البقاء فى مصر والزواج منى. وفى أول مرة دخلنا بيتنا كان علىَّ تقسيط ٥٥ جنيهًا ثمن سجادة سفرة بواقع ٥ جنيهات كل شهر، ها أنذا أغمس قلمى فى محبرة الشوق الجارف وأكتب فى مساحة بوح شخصى إن كان للقارئ الحق فى أن يعرف الكاتب وأوجاعه، إنه الشأن الخاص وذاكرتها بل ذكراها لا تزال خضراء.

 

 

■ ■ ■

 

 

«تعيش وتفتكر».. عبارة تقال حينما تحل ذكرى آمال (١١ مارس ٢٠٠١)، بيد أنى «أفتكرها دائمًا» مادام لى عقل يحب وقلب يفكر، أحيانًا يمر الشريط الطويل منذ تقابلنا لأول مرة فى الأقصر، حتى لحظات النهاية، وأتساءل ودموعى تفاجئنى: لماذا النهايات صعبة؟ إن البدايات جميلة، جمال زهرة تتفتح أيام دخلت آمال بنت العمدة قلبى من باب عقلى واهتماماتى، كانت صاحبة رادار حساس ويبقى صوتها فى شرائط، ولست بقادر على سماعها رغم الحنين.

 

 

علمنى غيابها الطويل أدب الافتقاد.

بوابة الشباب نيوز

جاء إطلاق بوابة الشباب نيوز على الانترنت ليكون وسيلة لمعرفة الاخبار اول باول، ويمثل إضافة قوية في الفضاء الالكتروني، وجاءت انطلاقة الموقع من مصر من قلب الاحداث ليهتم بالثورات العربية والمشاكل السياسية ويغطى الفعاليات الاقتصادية والرياضية ويواكب علوم التكنولوجيا ويغطي اخبار المرآة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى