أراءمقالات

نهال علام ….تكتب الصداقة .. كنز الحياة

بقلم الاعلامية والكاتبة نهال علام

وإذا سألوك عن الروح قل هي بأمر ربي، ولكن تلك الروح هي الروح الأبدية فماذا عن الروح الدنيوية! تلك الروح التي شكلت ملامحها قلب أم، ونصب قامتها مجهود أب، ورفع راياتها دفىء الإخوة، واحتواها ظِل الأسرة! ولكن طريق الحياة الملتوى على ذاته والملتف جنباته له كلمة أخرى هي إرادة الله ذاتِه!

ألم يقل وقوله الحق وخلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، فتلك حكمة الخالق إذا لم نكن بحاجة لها ما وَرد  ذكرها في كتابه الحكيم، فذلك القول يقين.

نتعارف لنتكامل تارة ونتنافس مرة، نوسع دائرة الرفقة لتتوسع مدارك الحِكمة فالأرض تدور؛ فكيف للإنسان أن يقف ولا يثور!

ولأن ابن آدم عدو ما يجهل، فكيف يجهل أخوات الكون ورفقاء السعي الميمون فكلنا ذات الآلة الحية نتشارك نفس التكوينات الجينية والوظائف الحيوية فكيف لا نسعى لتكتمل صحتنا النفسية!

اليس أقدس رباط في الحياة الزواج الذي يجمع اثنين ربما لم تجمع بينهم مشارق الأرض ولم توطد علاقاتهما مغاربها! فقط بعض نبض وكُل قلب، فإذا لم يكن التعارف مُهماً لكان الزواج مُهمشاً، ولكن ما ذنب الأرواح لتكون مهشمة! فهي غريزة بحتة؛ غريزة الاكتمال كالقمر يوم الكمال بروح إنسان لم يكُن يوماً على البال!

وإذا كان الزواج رباط مُقدس فهناك رباط آخر اللهم أحفظه من أن يُدَنَس.. الصداقة كَنز الحياة الذي ننفق منه السند في أوقات الشدة، وننهل منه الجلد في اللحظات الصعبة، ونتلمس على هديِه النور عندما تنقطع الجُسُور، ونبحث فيه عن الحبور إذا قمنا بعمل جَسور.

الصداقة هى مدخراتك الحقيقية للغد، فقد يذهب المال والولد فكلاهما لم يختارك ولكن الصداقة هي ظلك الذي لن يخذلك، وظهرك الذي لن يأن وهو يسندك، فهي اختيارك.

هي تجسيد لمعنى الستر فعلى باب الصديق نخلع التأنق فهو به لا يليق، يراك كما لوثتك الحياة فلا يجزع، بل يهرع ليغزل لك ما يواري به سوءاتك، لا تقنطه همومك ولا تقطنه تجاهك شكوكاً، فلا يَمِل ضعفك ولا يهرب ليتبرأ من ذنبك، يواجه العالم معك وإذا تطلب الأمر فإنه سيحارب عَنك ولن يهدأ باله حتى ينتصر لك.

فالصديق من صدَقَك و صَدَقَك، أرني خليلك لأعرف ما ينقصك ولا يضيرك فالنفس تهوى من يكمل نواقصها! فالأخ قد يُشبهَك لكن الصديق لن يماثلك، فهو الحتة الناقصة التي أرسلها الله لك لتكمل بها القصة، قصتك في الأرض والتي تستمر إذا حافظت عليه ليوم العَرض، وانتبه أن حسنة الصديق تَعم وسيئة الأخوة تخُص، فالحياة تُحاسبنا على اختياراتنا والأخوة والأسرة فرض لم نوجدههم باختيار مُسبق.

الصداقة إحدى مراتب النعيم نَفِر إليها من الجحيم لذا اجعل أفضل اختياراتك في الحياة هي صداقاتك، فالفاشلين في اقتناص صديق من ضجيج الحياة هم الخاسرين في تلك الحياة. فالصديق رمانة ميزان قلبك ونقطة النور في عقلك فكيف هي الدنيا دونِه!

فهي العطية الإنسانية لنواجه حياتنا الدرامية، فكلنا بطل في قصته ولكن نجاح البطل يتوقف على البطل المُساعِد لتكتمل القصة باكتمال روحك لتستطيع المُضي في يومَك، وما حياتنا إلا بضع أيام فلا تهدرها دون شَرف الصداقة، فالصديق هو خبرات مجانية وتجارب حقيقية تُضاف لحياتك لتستفيد منها، وتفيده بها.

جريمة الإنسان الكُبرى هي الاستعلاء، وهي نقيصة في النفس البشرية بدرجات نُمارسها دوماً ولو باستحياء إلا على هؤلاء، من تجمعنا بهم صداقة كما ينبغي للمعنى أن يكون فلا تشعر بمرارة النقد ولا قسوة الرَد، لأنه نفسَك التي تُحدثَك بما تخشاه نفسَك.

فشكراً لهؤلاء الجنود الواقفون على خطوط حدودنا العقلية ليصدوا شطحاتنا اللحظية، والمجد لهؤلاء المرابضون على ضفافنا القلبية لرد سهام جنوننا النفسية.

وكما قال الحكيم لا أريد مئة صديق بل صديق لمئة عام، فليست الصداقة بالكثرة العددية بل بالسنوات العُمرية، فإذا كان حضن أمك وطن فربتة من يد الصديق وقت الشدة هي عماد ذلك الوطن، لذا فاليوم العالمي للصداقة الذي يوافق آخر أيام شهر يوليو هو يوم مُثير للشجون، فلا تكفي بضع ساعات لنحتفل بأثره الحنون، ولكن من منا يتذكر بالأساس هذا اليوم! فالصداقة شمس تضيء حياتك كل يوم، فخسارة الصديق هى خسارة العُمر، لا تضاهيها خسارة فهي زلزال لثوابتك وبركان لن يخمده كل معارفَك!

ولا شك أن فوضى العالم الافتراضي جعلت الحاجة للصداقة الطبيعية أكيدة، فهو عالم خالي من دسم العواطف وممتلئ بزيف المَشاعِر، ونحن كاشخاص اعتباريين بحاجة لمن يمسح دموعنا بصدق ويحتضن ألامنا بصبر، ويفرح لفرحَنا بوجَل، ولكن هذا لا يمنع بالتأكيد أن خلف تلك الشاشات هناك أشخاص حقيقية مشاعرهم نقية وبمرور الأيام تتحول الصداقة الافتراضية لواقع افتراضي حقيقي، وإن ارتبط بسرعة الانترنت!

لكنها أحد أنواع الصداقات التي تواكب تطور الالكترونيات، وبقدر كونك إنسان طبيعي صالح بقدر ما ستكون متواصل اجتماعي فالح، فلا تستهين بمن تختار لتتابع ومن اهتم باختيارك ليتبعَك، فالأيام هي مفرخة الأفكار التي تُغربل تلك الصُحبة الافتراضية القائمة على تبادل الأراء، فمن يمضي معك وان اختلف عنك حافظ عليه، فهو أهلك وناسَك في وَسط صخب المنصات التي وجدت لنتواصل وإذا بها ميدان يستقبلنا لنتناحر.

الصداقة مسؤولية وعطية، فإذا لم تكن قادراً على تحمل تبعاتها وحلوها ومُرّها، فالزم عالمك ولا تطرق أبواب الغير لتسأل عن خير مافي الدنيا وأنت شَرها.

وفي آخر كلماتي أُهدِي تحياتي للرأفة والحنية والنور أصدقائي الذين بهم اكتملت نواقصي فاستقامت حياتي، وصدق مشاعرهم أنار سماواتي فكانوا طوق نجاتي عندما غابت نجماتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى