أراءمقالات

فاطمة ناعوت…. تكتب السِّحرُ الذى.. معقودٌ بناصيتها

لا يعرفُ الهوى إلا مَن ذاقَ طعمَ الهوى. ولا يعرفُ البحرَ إلا مَن غاصَ فى أغواره وشاهدَ شِعابَ مرجانه وسراديبَ أنفاقه. كذلك لا يدرك سِحرَ تلك الفاتنة إلا مَن شغِفها وعشقها وتعذّب بدلالها وغرق وذابَ فى بحر غرامها. وسوف يبقى لغز تلك الحسناء سرًّا مدهشًا لا نملكُ جميعَ مفاتيح سحرِها إلا بقدر ما هى تسمحُ لنا أن نعرفه، وبقدر ما تُسعفنا قدراتُنا على تذوّق النغم الفريد. نحتفلُ بعيدها يوم ١٨ ديسمبر منذ عام ١٩٧٣. لكنها لم تُولد فى ذلك العام، بل وُلدتِ الجميلةُ قبل الأزمان. ولكنه اليومُ الذى انتبه فيه العالمُ إلى سحرها وذكائها وغنجِها وألغازها وسعة ثقافتِها، فاعترف بها الدبلوماسيون لتغدو إحدى فاتنات العالم الست، المعتمدة رسميًّا فى الأمم المتحدة. إنها اللغةُ العربيةُ التى أجلَّها العالمُ وسكِر بحلاوة كأسها وعرفَ مؤخرًا قدرَها الرفيع، لتغدو اللغاتُ الستُّ المُتحدَث بها رسميًّا فى الأمم المتحدة هى: الروسية، الصينية، الإسبانية، الإنجليزية، الفرنسية، ثم العربية.

 

 

ما هذا السِّحر السيّال الذى يطفرُ من بين ثنايا لغتنا العربية الجميلة؟! ما تلك العبقرية المعقودة بناصية تلك اللغة الفذّة التى تغمُرك بقَطرِ الدفق الشهىّ حين تسمعُ بعضَ آياتٍ من سورة قرآنية مَكيّة، أو بضعة أبياتٍ من ديوان «سلطان العاشقين»، أو «أبى الطيب»؟! إنها لغةُ المرادفات والأضداد والمشتركات اللفظية والمتشابهات والإدغام والتشبيع والقصر والحصر والقطع والوصل والتقديم والتأخير والضمير والالتفات والمجاز والكناية والطِباق والمقابلة والسجع والجِناس! لغتُنا العظيمة التى يعشقُها مَن سبح فى بحرها المترامى وجرّب الغرق مرّة ومراتٍ، ويجهل قدرها مَن غفل عن حُسنِها ورشاقتها وقوّة بيانها. فى كل عام أكتبُ مقالًا عن اللغة العربية فى ديسمبر. وعادةً ما يكون المقالُ راقصًا وحزينًا فى آن. راقصٌ إذْ يتهادى على سُلّم اللغة الموسيقى، وحزينٌ لأن يوم ميلادها يمرّ عادةً دون أن يشعرَ به أحدٌ! ولهذا جاءت عناوين مقالاتى على نحو: «الجميلة المنسية فى عيدها!»، «الجميلة.. كل عام وأنت جميلة!»، «الجميلة المغدورة فى عيدها!»، وهكذا. لكن هذا العام حدث شىء غير عادى. عشراتُ الصحف تتكلم عن «اليوم العالمى للغة العربية»، ومواقعُ وصفحاتٌ تنشر بوستات وتغريدات لأجمل أبيات الشعر العربى، أو أغرب ألغاز اللغة العربية. وهنا يتوجّب علىَّ أن أشكر صفحة «نحو وصرف» التى أنشأها شبابٌ نابهون، استطاعوا بذكائهم اجتذاب آلاف المتابعين المتفاعلين مع ما تنشر الصفحةُ من أدبيات اللغة العربية وأسرار أجروميتها النحوية والصرفية.

 

 

من بين مقالاتى الحزينة فى الأعوام السابقة مقطعٌ يقول: «وكالعادة، مرَّ عيدُ ميلادِها دون أن يتذكّرَها أحدٌ ودون أن تُوقدَ لها شمعةٌ! الجميلةُ الساحرةُ الآسرةُ التى لا أحدَ يُحبُّها. من فرط جمالها، يكرهُها العشّاق! ثمّة درجاتٌ من الجمال تجعلُ الناسَ يهابون ويهربون. درجاتُ الجمال العُليا تُخيفُ، فيؤثرُ الناسُ الفرارَ، ثم يتخفّون خلف الأشجار يرشقون الجميلةَ بالحجارة، ويشدّون الأقواسَ لتنطلقَ السهامُ تخترقُ قلبها الغامض».

 

 

اختار اليونسكو يوم ٢١ فبراير من كل عام يومًا للاحتفال بعيد «اللغة الأم» لدى الأمم المتحدة. وهو اليوم الذى تحتفل به كلُّ أمّة من دول العالم باللغة الأم الخاصة بها. فاختار الروس يوم ٦ يونيو، وهو يوم ميلاد الشاعر الروسى «ألكسندر بوشكين»، واختار الصينيون ٢٠ أبريل، ذكرى «سانج چيه» مؤسس الأبجدية الصينية، وبالطبع اختار الإنجليز ٢٣ أبريل يوم ميلاد عظيم العالم الأديب الإنجليزى «وليم شكسبير»، بينما اختار الفرنسيون ٢٠ مارس المتزامن مع اليوم العالمى للفرنكفونية، فيما اختار الأسبان ٢١ أكتوبر، يوم الثقافة الإسبانية. أما نحن، الناطقين بالعربية، فقد وقع اختيارنا على اليوم ١٨ ديسمبر عيدًا عالميًّا للغة العربية، وهو ذكرى اعتماد العربية لغةً رسمية فى الأمم المتحدة عام ١٩٧٣، بعد محاولات دؤوب بدأت منذ خمسينيات القرن الماضى. لماذا لم نختر يوم ميلاد المتنبى أو ابن الفارض أو شوقى ليغدو يومًا للاحتفال باللغة العربية؟! لستُ أدرى.

 

 

أيها القارئ العزيز، وأنت تقرأ قصيدةً لابن الفارض، «سلطان العاشقين» وهو يقول: «قلبى يُحَدّثنى بأنكَ مُتْلِفِى/ روحى فِداكَ عرفْتَ أمْ لم تَعْرِفِ/ ما لى سوى روحى/ وباذلُ نفسه فى حب مَن يهواه ليس بمُسرف/ لو أن روحى فى يدى/ ووهبتها لمبشّرى بقدومكم لم أنصِفِ/ أنتَ القَتِيْلُ بأىّ مَنْ أحبَبْتَهُ/ فاختر لنَفْسِكَ فى الهوى مَن تصطفى». أنصِتْ إليها بصوت الجميل «سيد النقشبندى»، ثم استسلمْ لسحر العربية، ودَعْها تتسلّلُ داخل روحك وتُسرّبُ إلى عمقك أسرارَها. أيتها اللغة الساحرة، أقولُ لكِ فى عيدك: كلّ عامٍ وأنت جميلةٌ.

 

 

twitter:@fatimaNaoot

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى